المقريزي

187

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

معمورا لجانبين بالحوانيت المعدّة لبيع المهد الذي يربى فيه الأطفال ، وحوانيت الخرّاطين ، وحوانيت صناع السكاكين ، وصناع الدوى ، يشتمل على نحو الخمسين حانوتا ، فلما حدثت المحن تلاشى هذا السوق ، واغتصب الأمير جمال الدين يوسف الاستادار منه عدّة حوانيت ، من أوّله إلى الحمام التي تعرف بحمام الخرّاطين ، وشرع في عمارتها ، فعوجل بالقتل قبل إتمامها ، وقبض عليها الملك الناصر فرج فيما أحاط به من أمواله وأدخلها في الديوان . فقام بعمارة الحوانيت التي تجاه قيسارية العصفر من درب الشمسي إلى أوّل الخرّاطين القاضي الرئيس تقيّ الدين عبد الوهاب بن أبي شاكر ، فلما كملت جعلها الملك الناصر فيما هو موقوف على ترتبته التي أنشأها على قبر أبيه الملك الظاهر برقوق خارج باب النصر ، وأفرد الحمّام وبعض الحوانيت القديمة للمدرسة التي أنشأها الأمير جمال الدين يوسف الأستادار برحبة باب العيد ، وما يقابل هذه الحوانيت هو وما فوقه وقف على المدرسة القراسنقرية وغيرها ، وهو متخرّب متهدّم . سوق الجملون الكبير : هذا السوق بوسط سوق الشرابشيين ، يتوصل منه إلى البندقانيين وإلى حارة الجودرية وغيرها ، أنشئ فيه حوانيت سكنها البزازون ، وقفه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون على تربة مملوكه بلبغا التركمانيّ عندما مات في سنة سبع وسبعمائة ، ثم عمل عليه بابان بطرفيه بعد سنة تسعين وسبعمائة ، فصارت تغلق في الليل ، وكان فيما أدركناه شارعا مسلوكا طول الليل ، يجلس تجاه صاحب العسس ، الذي عرفته العامة في زماننا بوالي الطوف ، من بعد صلاة العشاء في كل ليلة ، وينصب قدّامه مشعل يشعل بالنار طول الليل ، وحوله عدّة من الأعوان وكثير من السقائين والنجارين والقصارين والهدّادين بنوب مقرّرة لهم ، خوفا من أن يحدث بالقاهرة في الليل حريق فيتداركون إطفاءه ، ومن حدث منه في الليل خصومة ، أو وجد سكران ، أو قبض عليه من السرّاق ، تولى أمره والي الطوف وحكم فيه بما يقتضيه الحال . فلما كانت الحوادث بطل هذا الرسم في جملة ما بطل ، وهذا السوق الآن جار في وقف . . . « 1 » . سوق الفرّايين : هذا السوق يسلك فيه من سوق الشرابشيين إلى الأكفانيين والجامع الأزهر وغير ذلك . كان قديما يعرف بسوق الخروقيين ، ثم سكن فيه صناع الفراء وتجّاره ، فعرف بهم ، وصار بهذا السوق في أيام الملك الظاهر برقوق من أنواع الفراء ما يجلّ أثمانها وتتضاعف قيمها ، لكثرة استعمال رجال الدولة من الأمراء والمماليك لبس السمور والوشق والقماقم والسنجاب ، بعد ما كان ذلك في الدولة التركية من أعز الأشياء التي لا يستطيع أحد أن يلبسها ، ولقد أخبرني الطواشي الفقيه الكاتب الحاسب الصوفيّ زين الدين مقبل الروميّ الجنس المعروف بالشامي ، عتيق السلطان الملك الناصر الحسين بن محمد بن قلاون : أنه

--> ( 1 ) بياض في الأصل .